سولاف هلال: إلى الوراء دُر

يناير 17th, 2009 كتبها صباح الحواصلي نشر في , الإمارات

إلى الوراء دُر
سولاف هلال
بضعة أعوام مضت، تجر في أعقابها أحلامي. أمنياتي ومفردات شكلتها حياتي التي كانت تنعم يوما بالسلام.
بضع سنوات أبت ذاكرتي أن تحصيها، لأنني لم اكترث بها يوما ولم تعرني هي أيضا أيما اهتمام، رغم أنها شهدت جنوني وسر دفنته بين طيات لساني خشية أن تكتشفه الجدران.
مر وقت طويل وأنا أكبل بالصمت لساني، لكنني سأشرع اليوم أبواب ذاكرتي، فليس هنالك ما أخشاه، لأنني لا أنوي ترك دليل يدينني، كل ما في الأمر أني سئمت صمتي والخوف وأريد أن أبث لهذه الأوراق الصماء بعض أحزاني، وسوف أمزق أوراقي والكلمات وسأمحو الذكريات فور انتهائي، وأرجو ألا أضطر أيضا لقطع لساني، فالموت مازال يلوح مرحبا وفي أكثر من اتجاه .
ها أنذا أفتح الأبواب والنوافذ لأطلق سراح زمن عابث، غير المسارات .. أطفأ نور السماوات، وهبنا الموت بسخاء، زرع الحزن في كل بيت وشارع .
أكاد أشم رائحة البارود .. غبار المعارك، آه إنها الحرب، أجل هي الحرب، أسمع صيحات الجنود .. أزيز الطائرات .. دوي المدافع وصوت الآمر يعنفني :
- هيا لاتكن جبانا، اذهب واتني بتلك الرأس، إنه الرفيق خالد .
     نعم هو الرفيق خالد صار محض رأس تتدحرج
كحلم جميل مضت تلك الأيام المعجونة بعنفوان صباي، بغداد تشخص أمامي بصخبها وجنونها، بشوارعها المزدانة بالفرح، بشواطئها المكتظة وأشجارها السامقة المعطرة بمياه دجلة الخالد .
كنت مطمئنا، أغزل أحلامي بألوان قوس قزح .. اكتشف غريزتي البكر باشتياق جامح. أجوب الشوارع بحثا عن ملذات قد لا تتناسب مع حداثة سني، أغازل فتاة هنا، أتعقب أخرى هناك .. أشتهي نساء .. أعري أجسادا رخامية لايمكنني الاقتراب منها إلا في حلم، تبهرني القطرات اللزجة فأزداد شبقا، أتوق لزرع لحمي في جسد امرأة، أية امرأة …
هكذا ظللت أشعل رغباتي ثم أطفؤها في الأحلام ليس إلا، حتى صحوت على كابوس متواتر مفزع بدد كل شىء وقادني إلى منعطف آخر لم يكن في الحسبان .
ذهبت بمفردي ترافقني دعوات أمي وأوراق حملتها بيد مرتعشة قاصدا دائرة التجنيد.
لم أكن يومها قد شفيت من مراهقتي بعد، تلك المراهقة التي تسببت في رسوبي لأعوام متتالية فصار لزاما علي الالتحاق بخدمة العلم في وقت لم يكن مثاليا بالنسبة لي ولا لمن هم سواي .
كنت كالذي فطم توا من ثدي الحياة، تسبق دموعي خطواتي وأنا ألهث راجلا صوب معسكر التدريب .
أتوغل في الطريق غير المعبد، أعب الهواء الملوث بالتراب لأستنشق رائحة الحرية قبل الولوج إلى عالم يجهلني كما أجهله .
بدت الأسوار أكثر شموخا وصار حجمي أقل ضآلة إزاءها، فلم يتبق سوى بضعة أقدام لأصل إلى الباب المنغلق على عوالمه السرية .
قال أبي وهو يسحبني من ذراعي الذي تشبث بعباءة أمي :
كف عن النواح كما الحريم، وحدها الجندية هي التي تصنع منك رجلا كما صنعت معظم الرجال .
هل صنعت الجندية مني رجلا بالفعل، أم أنها قضت على الطفل والرجل اللذان في داخلي يسكنان ؟
هناك .. أقف برأس حليق أذعن للأوامر .. أتلقى الدروس الأولى في النظام والانضباط والسلوك العسكري .
لم ترهقني الأوامر الصارمة بقدر ما أرهقتني النظرات والعبارات الساخرة التي صدرت من بعض الجنود الذين يتمتعون بقامات فارعة وبأجساد تفوح منها رائحة الرجولة، بينما أعاني من ضآلة جسدي ودقة ملامحي التي أعطت للبعض انطباعا ليس بصحيح.
استنفدت جميع أساليبي في ردع أولئك المتطاولين الذين استمرءوا إهانتي ولم يكفوا عن رجمي بالكلمات اللاذعة دون حياء، مما أثار حفيظة بعض الغيارى فتصدوا لهم ثم اتخذوني صديقا، أما أنا فسعيت لتعميق تلك الصداقة وأضفيت عليها طابع الحميمية لكن القدر لم يمهلنا طويلا لأنه كان يقف لنا بالمرصاد .
خلف الأسلاك الشائكة وبعيدا عن العالم الرحب الغارق في المتع والملذات عرفت. أن للحياة وجوها أخرى وأن للوجوه حياة أخرى غير التي نعرفها مهما حاولنا الاقتراب، لأنها لاتكشف عن حقيقة ذلك الوجه إلا لمن ترغب أن تمنحه ذلك الشرف الرفيع .
دعاني الضابط إلى مكتبه سرا، لم يكن ضابطا، بل كان يحمل رتبة عقيد، توجست ..
فهو متغطرس .. صعب المراس، لاتقوى على النظر في عينيه المتوهجتين، ولا يمكنك في أية حال من الأحوال أن تلمحه في حالة ارتياح، فهو متجهم دوما .. ثائرا بسبب أو دونما سبب .
استقبلني بحفاوة .. داعب رأسي الأمل، فربما يتكرم ويمنحني أجازة، اشتقت كثيرا لحضن أمي، لكن أية

المزيد