خديجة اليونسي: تفتحي يا وردة

كتبهاصباح الحواصلي ، في 4 أكتوبر 2007 الساعة: 11:58 ص

تفتحي يا وردة

خديجة اليونسي

أول الأمر لم أبالي كثيرا، و لم أتوقف عن الأكل بسبب الألم ، بل لأن التفاح كان فجا.
أنا لا أستلذ بالتفاح الفج لذلك فكرت بوضعه في الفرن بضعة دقائق قبل أن أسكب عليه قطرات من الحليب المركز المحلى.
فككت المشد الضاغط على صدري، الهدوء مرتب حولي بأناقة، فالمدينة بعيدة
و زعيقها لا يصلني و حتى أبواق الشاحنات التي تعبر بلاط الثلج محملة بالتفاح و البندق لها نغم شهي يذكرني بأبواق باعة المثلجات الذين كثيرا ما تجولوا في براري طفولتي.
حرارة المدفأة المرتفعة جعلتني أنحدر نحو الاسترخاء ، كان طعم التفاح لا يزال عالقا بلساني و لم يضايقني، لكن الألم لم يتوقف .
تمددت على سرير الإسعاف، سحبت الغطاء على صدري، و ضممتني إلي لأسند نهدي النافرين، أخبرني الممرض بأن شوارع المدينة فارغة وأننا سنصل إلى المستشفى في أقرب وقت، و ما فتئ يطمئنني، و يقرص خدي فتظاهرت بأن الألم أشد مما هو عليه
كي أدعم إحساسه بالتعاطف .

لما كشف عني الطبيب و بدأت أشرح له حالتي ، فوجئت بتوقف الألم ، فتلعثمت و انفجرت بالضحك. توقف الألم. ضحك الطبيب بدوره، و قرر أن أبيت في المستشفى،
و لم يتوان هو الآخر عن مداعبتي، لكنني تقبلت الأمر بتفهم، وأيضا بكثير من السرور. لم أكن صغيرة إلى حد لا أحس معه بالإحراج، غير أن وجهي ظل مختفظا ببريق طفولي مغر بالمداعبة.
لم يضايقني قرار المبيت في المستشفى خصوصا أنني كنت أرفل بقميصي و لا أحتاج إلى تجريب منامات تفوح منها رائحة الكحول. و قميص أحلامي قطن أبيض يلفني من جهة الصدر بأصداف اللؤلؤ فأختال في سريري عروسا.
كانت أضواء النيون تتلألأ خلف الأغصان البليلة، فتبدو من خلال النافذة العريضة التي تشغل جدار الغرفة مثل أشجار عيد الميلاد، وأنا منذ استطالت قامتي و قاربت حافة النافذة، صرت مفتونة بالأفق و الألوان و الأعياد و المطر و الثلج و اللؤلؤ، و لم يعاودني الألم.
أكد الطبيب سلامتي و أفهمني أن جسدي هذا البرعم الصغير قد بدأ يتفتح و علي أن أرفع عنه القيود.
كان جسدي نحيفا جدا، لم يصدق السائق أنني بخير ، كنت أجلس في المقعد الأمامي و لا أحتاج إلى ممرض.
رسمت حولي حدودا من شرائط القزح.
سئمت من ضغط المرور، و حين لاحظ السائق ذ لك ذ كرني بأننا بعد أن نجتاز المدينة سندخل الجنة.

و الجنة ربوع لآلئ و أشجار تزدهر بعناقيد الثلج و أيضا رياح رقيقة تحرضني سرا على الفرح، و أخيرا بيت تحيط به حدائق التفاح و البندق، و يزف إليه ساعي القلب رسائلا بطوابع ملونة.
لم أخبر والدي بأمر المستشفى، كانا بعيدين جدا و كنت أكتب لهما عادة رسائل قصيرة، و تبعث أمي تسألني عن التفاصيل فأخبرها بأنني أدونها في مذ كرتي.
لكنني لم أكتب شيئا في المذكرة عن نهدي الصغيرين، و لا عما قاله لي طبيب النساء،
خشيت أن أسبب القلق لوالدتي، أما أنا لم أكن قلقة ،حتى و الألم يعصر نهدي لم أكن خائفة، أحسست فقط ببعض الخجل و أنا أكشف عنهما أمام الطبيب، لطالما أحسست تجاههما بالخجل و هما ينطان مثل ضفضعتين نزقتين، فأضغط المشد كي أحد من رعونتهما و أمنعهما من القفز الطائش فوق صدري.
أما بعد ليلة المستشفى، فقد اتخذ ت مذ كرة جديدة من حدائق و هواء، و خبأت أحلامي في أوراق الألمنيوم، ثم وزعت ألوان القزح على أيام الأسبوع، و لم أعد أخجل من مساومة الباعة المتحذ لقين في ثمن المناهد.
صرت معتزة بنهدي و حريصة جدا على سلامتهما ، ثم إنهما حتى في قمة الشقاوة يظلان ناعمين، لطيفين، قريبين جدا من القلب.

  

 قاصة من المغرب

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “خديجة اليونسي: تفتحي يا وردة”

  1. من أجمل ما قرأت.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر