نصرت مردان: الشمس لا تشرق على سيلوبي
كتبهاصباح الحواصلي ، في 26 يونيو 2008 الساعة: 19:29 م

الشمس لا تشرق على سيلومي
نصرت مردان
إنه اليوم ، ملك . بل إمبراطور ! فقد منحه الملك سليمان خاتمه ، وأتى بتاجه الذي يليق بالسلاطين ، ووضعه فوق رأسه .
شرب في خيمته كأسه الأولى من العرق الذي اشتراه من سيلوبي . تساءل في نفسه ما قيمة الذهب ، ما قيمة اللؤلؤ ، والمرجان حينما لا نصرفها في سبيل حسنا !
انطلق نداء من مكبر الصوت في غرفة مسؤول منظمة الأمم المتحدة في المعسكر :
ـ سيتم في الساعة الرابعة من هذا اليوم توزيع الأرزاق ، وعلى المختارين الحضور في الساعة المذكورة لاستلام حصصهم .
منذ خمس سنوات ، هي عمره في هذا المكان المنسي على الخرائط ، يسمع هذا النداء : ..استلام الحصص ، والتي تساوي كيلو من البطاطا ، ثلاث بيضات ، كيلو من السكر ، كيلوين من الرز ، علبة معجون طماطة ، علبة معكرونة ، حصيلة كل لاجئ في كل عشرة أيام .أربعمائة وست مرة ، وهو يتناول هذه القائمة التي لا تتبدل من الطعام .
أطل صديقه الأثوري شليمون الذي يقاسمه الخيمة :
ـ ها رمزي بك أما زلت تشرب هذا الزقنبوت ؟
ـ اخرس ! أنت الآن في حضرة الملك سليمان ، ملك الإنس ، والجان .
ـ حاضر يا مولاي .. هل تريد رزقك من البطاطا ، والبصل ، والذي منه ؟
ـ أحضرها لي يا عبد قبل أن أمر السياف بقطع رقبتك .
ابتسم شليمون بسخرية ، وذهب فهو متعود على صاحبه الذي يتسلطن بين حين وأخر بالعرق الذي يدخله سراً إلى المعسكر .
(( الدنيا سيكارة وكاس )) . لكن مطرب الملوك و الأمراء عبد الوهاب نسي أهم شيء لإكمال الثالوث الدنيوي ، وخاصة لمن هو مثله يعاني في كل دقائق حياته من الوحدة والعزلة من ( الجسد الجميل ) . اجل هكذا يكتمل الثالوث الدنيوي ( الدنيا : سيكارة وكاس وجسد ريان )
الجسد النسائي كان يقض مضجعه .له باع طويل في الظمأ الذي لا ينتهي إلى هذا المخلوق الرباني الجميل . وجوده كلاجئ في مثل هذا الجحر الذي يسمى معسكر سيلوبي للاجئين منذ خمس سنوات ، زاد من في استفحال ظمئه التاريخي ، الخرافي للجسد الأنثوي .
كان قد استعد لانتقام رهيب من كل نساء الفرنج حالما تطأ قدماه أوربا بعد انتظار ممض في هذه الأرض الملعونة ظلاً ، ,سماءاً ، وبشرا .
شكراً يا الهي . لكم فعلت حسناً حينما لم تحتفظ بأمنا حواء في فردوسك ، وقذفت بوالدنا المصون آدم معها إلى أرضك الواسعة ، كي يبحث منذ ذلك التاريخ عنها حتى يعود السيف إلى غمده.
في الكأس الثانية ابتسم ضاحكاً ، وهو يتذكر سعدية العاهرة التي التقطها مع أحد زملائه ، بعد أن نزلت من سيارة كانت تمارس فيها ما هو متاح سراً ، وممنوع علناً في شوارع بغداد . أخذاها ، وكأنهما عثرا على كنز ثمين لم ينظر إلى وجهها . يكفي أن يكون جسدها مكتنزا ، و ردفها عريضاً .
في البيت تبادلوا الكؤوس ، وكانت المرأة ثملة . ألح صديقه أن يدخل بها أولاً . ورغم أن رمزي كان يود أن يكون أول من يحتويها تحته ، إلا أن صديقه ألح أن يكون له هذا الشرف . وافق على مضض ، وهو يلعن سلالته من عهد أبينا آدم وحتى جده الحاج صحن . بعد قليل ارتفع صوته ، وهو يستنجد به ، فهرع إلى الغرفة ليستكشف السبب .. فرأى سعدية عارية فوق صديقه ، وهي تتقيأ على وجهه ، ورقبته ، ورأسه بينما هو يستغيث تحت جسدها البدين .
ضغط على زر مسجله العتيق ، فانطلق منه صوت أبو يعقوب :
دمروني ها النصارى
مرروني ها النصارى
أطل من خيمته على الخارج . كان الجحيم لا يزال قائماً . نار محرقة .لم ير حتى طيراً شريداً سواء في السماء أو على الأرض . رأى ( الثلاثي المرح ) الذين يذهبون دائماً معاً للصلاة . يصلون معاً لكن الواحد منهم ما أن يجد الفرصة حتى يتحدث عن زميله بأشنع الصفات والتهم . كانوا يسرعون الخطى نحو الجامع .ألقوا عليه تحية خرجت من أفواههم عنوة. شتمهم في داخله ، وشتم تحيتهم التي لا لون ، ولاطعم لها . آه لو يتخلص من كل هذا الهدوء القاتل ، المدفون في قيظ كافر .توجه بعينيه صوب جبال الوطن التي تبعد 10 كيلومترات عن المعسكر .تساءل في نفسه:
(( كان من المفروض أن لا نكون هنا .. أن نكون في بيوتنا . نسكر ، ونعزف أفراحنا على كل الآلات .. أن نبعث رسائل الحب إلى بنات الجيران . أن نذهب إلى بستان الورد ،ونقطف لمن نحب باقات من النرجس ،والرياحين .
أن نردد كل صباح في المدرسة أنشودة (موطني ..موطني) ذلك الوطن الذي يقبع مثخناً بالجراح خلف هذه التلال . أزالت العواصف ، والزوابع التي هبت جبال الرمل التي أقمناها ذرت مثل الرماد كل براءتنا ، ولوعتنا ..أيها الوطن القريب البعيد .. نحملك معنا ، ونحمل أشواقنا إلى المنفى الذي لم يعد لنا من خلاص إلا فيه ..)
ولكن أين هو ذلك المنفى الذي يقبله ؟ خمس سنوات ،وهو هنا يجرع الوحدة تحت شمس محرقة ، وتحت رعود ،وأمطار ،وبروق منذ سنوات تحت خيمة ليس فيها إلا مذياع يحمل إليه صوت الوطن الذي يحاول أن ينساه .
كرع كأسه الأخيرة ، وانطلق في الحر اللافح يتجول بين الخيام لا يلوي على شيء .لفت انتباهه انسياب مياه من تحت الخيمة التي يقيم فيها تلك المرأة الريانة التي تدعى (بيان ) التي حضرت إلى المخيم قبل شهر . وأصبحت محط أنظار أصحاب العيون ، والقلوب
المحرومة . . وقف هنيهة متردداً .بكل الحرمان المتأجج في أعماقه ، ألقى من زاوية الخيمة نظرة إلى داخلها . أصابه مليون رعد في قلبه ،وأحشائه ،ورئتيه .
كانت ( بيان ) عارية تستحم داخل خيمتها ، مستفيدة خلو المعسكر من البشر في هذه الساعات بسبب الحر اللافح ، والقيظ الكافر .جسدها البض الجميل كان أمامه ، كما خلقه رب العباد . لم ير رديفاً لهذا البياض في امرأة أخرى . لا في بدرية التي ضحى بخلخال أمه في سبيلها ، ولا في ( وحيدة ) التي وطأها في أحد فنادق بغداد ، و لا في ( شهربان ) الإيرانية التي عرفها ،وعاش يكرع كؤوس اللذة في طهران معها التي عاش فيها عدة سنوات . . لم يكن لأجسادهن مثل هذا البياض الناعم الملمس .. كانت حلمتا نهديها ورديتان ، وكأنهما لم تمسا من فم مخلوق بعد . وكانت الغابة التي بين فخذيها تضم أجمل دهليز يمكن أن يحتوي جوعه الشرس ..أما ردفها الذي طالما تخيله ، وهو يتأرجح داخل بنطالها ، فقد كان أمامه يبدو في تموجاته ، وانحداراته أكثر إثارة مما كان يتخيله في صحوه ومنامه .. إنه الملك سليمان ، , وهي ( شمسية ) الحسناء التي فتن بها ملك كل ماهب ودبّ على الأرض ، والتي من أجل إرضائها بنى لها استانبول ليخفف من شوقها إلى وطنها الكائن وسط البحر . إنها باختصار كل النساء زليخة ، بدرية ، شهربان ن عواطف ، آمال ، سميرة ! …. ود أن يخر أمام هذا الجسد الأنثوي الجميل الباهر في كل تكويناته . كم تمنى لو كان الذي أمامه جسد سهل المنال مثل جسد بدرية …
تذكر الخلخال الذي سرقه من أمه ، و أعطاه لجارتهم ـ بدرية ـ اللعوب ليمتلكها بكل ظمئه العشريني ، ويجول في أعماقها الندية التي داهمته مرارا في الحلم واليقظة . وهو يطعنها ، أحس إنما يطعن كل أيام حرمانه ، وينتقم منها . ظلت أمه طوال عمرها تبحث عن الخلخال على أمل العثور عليه ،وتقول أنه من زمن السلطان العثماني رشاد .
صبر على أرقها في الليالي ، وتحمل حزنها ،وذهابها إلى السحرة لمعرفة السارق . تلك الساعات كانت عصيبة بالنسبة له . لكنه عارض الأديان ، وارتكب الخطيئة بالقلب ، والفم ، واليد . شرب خمور اللذة فوق صدرها الذي كان أول صدر حرام يأويه ،ليحتوي عواء الرغبة الجامحة التي كانت تجتاح كل كيانه .
حمد الله لأن الساحر ، وعالم الغيب لم يكتشف سرقته . يتذكر عندما استلمت بدرية ،الخلخال منه ، لبسته أمامه .. ومشت أمامه متمخطرة ، عارية عدة خطوات ، لتسمعه رنينه الأخاذ . كان الرنين كافياً لإشعال الحرائق في شرايينه . ومع كل نظرة من نظراته التي تتقطر جوعاً إلى اللحم النسائي ، البض ، الناعم ، كانت تطلق ضحكة عاهرة في وجهه ، والتي كانت بمثابة بنزين يسكب فوق حريق هائل . حريقه هو ، فيزداد اشتعالا و احتراقا. جسدها .
لكن أين جسد بدرية من هذا الجسد الخرافي ، العاري أمامه ؟
حار في ما يفعله هل يقتحم عليها الخيمة ، ويقدم فروض الولاء والطاعة لجسدها الشهي و يغرقه بالشم والتقبيل ثم يلج فيه بكل الحرمان الذي يلف وجوده حتى أبعد نقطة في أعماقها كي يسكت عواء الوحش المتربع في جسده المسعور منذ سنوات … لكن قدميه خذلتاه . أراد أن يطلق حرمانه القابع في ذاته بصرخة وحشية قد لا تعبر عن شيء لكنها قد تحمل احتجاجه على أدميته المحجوزة في المحرمات . لحظات قصيرة كانت كوميض البرق . وجد نفسه عاجزاً حتى عن الصراخ . تجمد لسانه في فمه . ولم يعد بإمكانه أمام الجسد العاري المبهر، أن يهمس بتلك الكلمات الجميلة التي تعود أن يهمس بها حينما كان يداعب جسدها البض في خياله .
عاد إلى خيمته . بل وجد نفسه في داخل الخيمة ، دون أن يتذكر كيف عاد إليها .لم يكن في ذهنه سوى جسد امرأة عارية أمامه . امرأة حية ، نابضة بالشهوة ، بعد خمس سنوات من الحرمان ، والإقامة في هذا المخيم اللعين ، يراها أمام عينيه.وهو عاجز من الوصول إليه . امتد على فراشه القذر وفي داخله صاعقة رهيبة .
ماذا شرب القلب في حضور ذاك الجسد البض ، والصدر الناهد ،والردف الصقيل حتى يعود هو الآخر ثملاً ؟
دخل عليه شليمون ،وهو يحمل كيس المؤن من بصل ،وبطاطه ،ورز .
ـ تفضل مولانا ..الأرزاق .
ـ ……
ـ الحمد لله انتهى التوزيع .. لعنهم الله ألم يجدوا وقتاً اخر للتوزيع ؟
ـ …..
ـ ها .. عائلة ( أبو داني ) ستسافر إلى هولندا ..يكادون يطيرون من الفرح .كما سيذيعون أسماء المسافرين إلى استراليا ..تصور أن الحقير ( إحسان ) بينهم ، ولم يمر عليه أسبوعان ! حظوظ . بينما نحن مكانك سر .نمارس الانتظار اللامجدي منذ سنوات ..
ـ …..
ـ الحقير إحسان المتصابي رغم شيخوخته ، حينما سمع بأنه سيسافر إلى استراليا ، ذهب إلى سوق سيلوبي ،واشترى صبغاً للشعر ..القواد يريد أن يذهب هناك شاباً .!
ـ …..
ـ ماذا بك ؟ ..لماذا لا تتكلم ؟
انهملت الدموع من عيني رمزي .كان يبكي ذلك الجسد الجميل الذي لن يصل إليه أبداً . الجسد الجميل الكفيل باستقبال كل حرمانه ،وعطشه .
ـ هل ماتت أمك ؟
ـ …..
ـ أكيد أنها ماتت وإلا لم كل هذه الدموع ؟ فقد قلت قبل فترة أنها مريضة .
هز رمزي رأسه بالإيجاب ، معتقداً أنه سيكف عن السؤال ،ويتركه لحاله ، بعد أن أحس أن لسانه يخذله ، وهو لا يستطيع الجواب .ليعود إلى ذاته المترعة ببضاضة الجسد الرهيب ، وتلافيف وانحناءات ردفيه .
لم يمض ألا قليل من الوقت على مغادرة شليمون للخيمة .حتى فوجئ رمزي بتوافد اللاجئين الذين أتوا للخيمة معزين .
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون .
ـ مسكين . لقد أذهلته المفاجأة ..
ـ أية حياة هذه ..! ألا يكفينا مانحن فيه من عذاب وهوان حتى يصدم الواحد منا بموت أحبائه !
ـ هذا قدرنا .. فقدان الأم أكبر المصائب ..
ـ رمزي .. رمزي البقية بحياتك عيني ..
ـ البقية بحياتك ..هاي حال الدنيا ..
انشل لسانه ،ويحول إلى قطعة لحم لاحول فيه ولاقوة . ظل ينظر بعيون جاحظة للجميع .
ـ لقد فقد القدرة على النطق ..!
ـ حطمته المفاجأة ..
دخل مسؤول المعسكر إلى الخيمة ،وتأمل رمزي بإشفاق .قال أحدهم :
ـ لقد فقد القدرة على النطق بعد أن بلغه نبأ وفاة أمه .
هز المسؤول رأسه :
ـ قد يكون ذلك عرضياً بسبب الصدمة .. سنرسله إلى مستشفى دياربكر .. ولكن قل لي يارمزي من الذي أبلغك بالنبأ المشؤوم ؟
كان الجسد العاري يتطاير أمامه .الصدر لوحده ، الردف لوحده ، الساقان لوحدهما يحاصران فكره ، وأعماقه وبئر الحرمان الذي في داخله .
التفت مسؤول المعسكر ( اردوغان ) إلى حوله :
ـ من أبلغه منكم بالنبأ المشؤوم ؟
خيم الصمت ، والوجوم على الجميع .
ـ رمزي من أبلغك بهذا النبأ ؟
كان رمزي صامتاً كصنم بوذي . . بدأ مؤذن الجامع ( جنكيز ) بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بخشوع ،بعد أن أحاط جميع الجالسين برمزي ،ناظرين إليه بعيون يطل من جميعها الإشفاق عليه لمصابه الجلل .
* - سيلوبي : معسكر للاجئين العراقيين في تركيا ، يبعد 10 كم عن الحدود العراقية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 10th, 2007 at 10 أكتوبر 2007 10:43 م
هوامش من أوراق شخصية
نصرت مردان
فتحت عيني على (عرفة) حي الصبا الجميل . ذلك الحي الألق ،صاحب القلب النبيل الذي طالما تحمل أحلامنا وصبواتنا وطيشنا ومراهقتنا، وحبنا الذي كان كالسيل العارم تجاه حسناوات لازلن في الرفوف العالية للقلب والذاكرة .
كنا شلة من محبي الأدب ، ندافع عن أدونيس وكأنه على مرمى حجر منا يسمع معاركنا من أجله مع الآخرين، من الذين لم يفتحوا بعد الكوات المغلقة في عقولهم على الحداثة والانطلاق نحو الفضاءات التي لا حدود لها . كان يبدو لنا وكأن المرحوم السياب يسمع من قبره النقاشات التي لا تنتهي بيننا حول المفاضلة بينه وبين البياتي ،وأن فاضل العزاوي على علم بتفاصيل معركتي مع مدرس اللغة العربية دفاعا عن اللغم الذي فجره في المفهوم التقليدي للرواية من خلال روايته (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة)، والتي انتهت بفصلي عن المدرسة لمدة اسبوع عقابا لتطاولي على المدرس .
كنا نحس أن للأرض آذان صاغية تسمعنا . كنا نحب لوركا أكثر من الأسبان ،وناظم حكمت أكثر من الأتراك ،ودستوفسكي أكثر من الرفاق الروس . كانت العواطف جياشة تجاه الجمال في الكتب ،وفي بنات الحي .
كان ذلك قبل أن تصبح المدن ،وكأنها موروثة للبعض من أجدادهم ،يحاولون طمس روحها وجمالها الذي لا يزال عبقها في الروح ..كانت ظلال نيران (بابا كركر) تلقي دون تمييز ظلالها القرمزية كل مساء على جميع الراقدين صيفا على سطوح منازلهم .كانت البيوت التي تتقابل أسطحها تبدو متعانقة .
كان لكل واحد منا حلمه الذي سيتحقق حتما .فالعاشق سيتزوج محبوبته ،والطالب سينهي الكلية التي يحب ،ونحن سنملأ الدنيا قصصا وقصائد..لم تكن للأحلام حدود..كانت المكتبات مقدسة بالنسبة لنا .نقف على أعتابها طويلا ،نتأمل الكتب ثم نلج إليها..مكتبة كركوك،المكتبة العصرية ،مكتبة عرفة ،إضافة إلى باعة الكتب المستعملة ,أشهرهم على الإطلاق (دايي أمين ) ورزوقي . وكان رزوقي يعمل في السابق كمناد على الأفلام المعروضة في سينما العلمين . حيث كان يتقدم العربة اليدوية التي تحمل ملصق الفيلم المعروض وهو يصرخ بأعلى :
ـ الأباشي ،برت لانكستر .معارك ،بوكسات ،مطاردات ..وينهي جملته بعبارة : (كصوا..كصوا )،أي اقطعوا التذاكر .
وكان المكان المفضل له الوقوف قبل الساعة الرابعة حيث موعد خروج عمال النفط من الشركة قرب تلة ملا عبدالله (ملا عبدالله تبه سي) حيث يبلغ حماسه ذروته وهو يصرخ ويوزع إعلانات الفيلم على العمال العائدين إلى بيوتهم .
ثمة فتيات جميلات في (عرفة) كان الجميع مولعين بهن ،وكانت كل واحدة منهن تتهادى كل عصر في نزهاتها في الحي كظبية البان كما في القصائد التقليدية التي كنا نقر ونعترف ونحن في كامل قوانا العقلية على رفضها تماما ، لا لشيء سوى لأنها تقليدية.وغالبا ما كانت الظبية تشعر بهذا الإعجاب الجماعي ـ الأممي نحوها من شباب (عرفة) الذين تفرقهم الأديان واللغات وتوحدهم اللهفة نحو هذه الظبية التي غالبا ما كانت تكون (أثورية) لأن الغالبية العظمى آنذاك من سكان الحي كانوا من الإخوة المسيحيين . وكانت الظبية سعيدة حينما تتلقى عبارات الحب بكل اللغات بالتركمانية (سيوه ره م سني ) وبالكردية (تو خوشوم ئه وي) بالأثورية (أنا بايننخ ) بالأرمنية (كيسيريم كيزي ).
من يدري أين هن الآن نزيلات أحلامنا في ذلك الزمن الجميل ؟
كنا نتبادل القصائد كمن يتبادل المناشير الحزبية التي لم يكن يميل إليها الكثير منا ،رغم انحياز البعض إلى الوجه التقدمي للاتحاد السوفيتي قبل أن يكتشف أنها تكمم الأفواه والأنفاس . .وأن حكامنا سيقلدون الأسلوب السوفيتي في الحكم بتكميم كل صوت نشاز خارج السرب الحزبي الحاكم . في تلك الفترة كانت تملأ المكتبات المجلات السوفيتية التي تتشابه أغلفتها التي يظهر فيها غالبا وجوه مبتسمة لعمال في المصنع أو فلاحين وفلاحات في المزارع . كان السوفييت يبتسمون دائما في تلك الصور . في حضوري سأل أحد الخبثاء مسؤولا شيوعيا كان يعمل معلما في كركوك :
ـ أبو محمود ..أليس في الاتحاد السوفيتي إنسان حزين ؟
لم يتردد الرفيق في الإجابة :
ـ ولماذا يكون الإنسان حزينا هناك مادام الحزب يؤمن مستقبل الشغيلة ؟!
ألح صاحبنا الخبيث في السؤال:
ـ غير معقول ! ألا يمكن أن يكون ثمة إنسان مهموم هناك ؟
قال الرفيق بعد تفكير استمر لدقائق من الصمت :
ـ في الاتحاد السوفيتي قد يكون المرء حزينا لأنه لم يرافق الرفيق غاغارين رحلته إلى الفضاء !
موقع ” القصة العراقية ”