قمر كيلاني: وجع من ذاكرة الجولان
كتبهاصباح الحواصلي ، في 17 يناير 2009 الساعة: 03:26 ص
وجع من ذاكرة الجولان
قمر كيلاني
العمة “جليلة” وقفت أمام أبناء أخيها في لحظة من التاريخ لا تنسى… لا تباع ولا تشترى… والعام 1967.
ـ القنيطرة سقطت يا أحبائي.. وأنا سأرحل إلى دمشق… ما يجديني أن أعيش مسلوبة في زمان مضى؟ ما يجديني أن أبقى بلا روح وروحي أخذت مني مع بيتي الصغير والحديقة وشوارع كان يقطنها الأحباب؟ لو أستطيع البقاء لبقيت… لو أستطيع افتدائها بدمي لأفتديت.
ثم بكت… وأعولت… وندبت.
آه أيتها القنيطرة… يا وردة سقطت من جنّة السماء… يا زمردة القلب. تظل الذاكرة ممتلئة وجعاً من أجلك.
أما هم… أولاد أخيها فقط ظلوا في قرية هناك… في الجولان… حيث مزرعتهم… وبيوتهم البيضاء الصغيرة… ومدارس أولادهم. مصابين بما يسمونه التعلق بالأرض. يعانون القلق والحنين. خبزهم المرارة… وماؤهم الحزن الطهور. وهل يعقل أن يرموا بقلوبهم إلى أسراب الغربان المهاجمة بشراسة؟ كان عليهم أن يحتفظوا بقلوبهم فقط… أن يدافعوا عن وجودهم فقط.
ولتخط السطور ما شاءت من الحكايات فالأُسَر انشطرت.. والبيوت انقسمت… وتمزقت الشرايين بين الشوارع والحارات وانقطعت خطوط البريد والمواصلات. لم يبق سوى السر الخفي العلني… سر الوطن الواحد الموحد.
كانوا قد قالوا لها:
ـ إليك سنعود… إلينا ستأتين يوم الخلاص… يوم يبزغ فجر عظيم… يوم ينفجر البركان.
وغابت….
ومرت عجلة السنين.. وانهارت امرأة جاوزت الستين.
انهارت عندما بدأت تعرف أن للفراق طعم الموت… وأن للصور والتذكارات وخُصل الشعر المقصوصة شفرات تقطع الذاكرة كحد السكين.
والقنيطرة… طفلة الوطن… مصلوبة على جدران الوطن.
ووراء الجدار الأهل… يذيبهم الشوق كما يذيبها الحنين.
وحين أتى تشرين… وأمطرت السماء أعياد انتصار تطلّعت بعينين دامعتين… بجناحين مكسورين… برفيف حب يزهر فيه الأمل.
سأذهب.. أو سيأتون.
وليس إلاّ الانتظار.
لغة العصر والحرب لا تفهمها العمة “جليلة”… تفهم أن يلتقي الأحباب… ويجتمع الشمل. وتنام كل ليلة مع أحزانها… تشحذ ذاكرتها المتعبة لتستعيد كل لحظة كانت لها هناك… لتستحضر كل وجه تعرفه هناك.
ومن الإذاعة هتفت بهم: اكبتوا إليّ يا أحبائي… ابعثوا لي بأخباركم.
ولكن… كيف يكتبون؟ كيف يبعثون بأخبارهم وحواجز الأسلاك الظالمة تدمي أيديهم… تخرس حناجرهم؟
(نحن رهائن عندهم يا عمتنا….لن يدعونا نفلت من قبضة الحديد والنار حتّى تسوى في زعمهم قضية “السلام” ويزول كل “إشكال”. وجنودهم…
جنودهم على أعتاب بيوتنا…
وبنادقهم مصوبة إلى صدورنا…
وقضيتنا يا عمة واضحة كالشمس… حقيقية كالشمس.. ونخشى أن يسألونا فيما يسألون: لم تنامون على العشق؟ عشق دمشق؟
ليس جريمة أننا ننام على عشق الوطن…
لكنهم يريدون أن يذيبوا من قلوبنا كعبة الوطن… وأن يجعلوا للقهر اليومي صوت الكلمات… ووجهك معنا…. يطل علينا كأنه من السماء وعداً باللقاء. تضميننا بالحب…. بالكبرياء. تتحدثين عن الفرح المختبئ تحت جناح تشرين.
ونحن غرقنا في الصمت بعد أن رحل تشرين…
والصمت لا يعني عدم القدرة على الفعل… حين يأتي أوان الفعل.
الحواجز هنا… حواجزهم… وهمية لم يستطيعوا أن يفرقوا بيننا. ما زلنا أسرا صغيرة ترفع شعار الوطن الأم… ما زلنا نتمسك بعاداتنا وتقاليدنا… نبكي على أنغام العتابا والميجنا ونأكل خبزنا المعجون بالألم والدموع. ما زلنا في اجتماعاتنا نتشاور… ونتبادل الرأي.
ونعلن احتجاجنا على الغزاة لا نملك سواه. لا زالت صحفنا المنشورة بين أيدينا هي التي ترفض الهوان. وفي صدور منازلنا نعلق صوركم دون أن نخاف من أن نصبح شهداء.
ما أفظع أن يعيش المرء في وطن مسلوب… بسيف مكسور.
لكنهم لم يقدروا أن يسلبوا القلوب.. لا أن يكسروا سيف اللسان. جليلة…. أيتها العمة المهدوم بيتها في القنيطرة… أيتها المنفية وراء الأسماء.
هل جاءك نبأ المحتلين يدخلون علينا البيوت بعد منتصف الليل يفتشون عن هوياتنا وأرقام مساكننا… وعناوين أهلنا وأحبابنا في الوطن؟
هل جاءك النبأ المريع بأنهم سيلحقون الجولان ظلماً بلائحة أرض اغتصبوها عدواناً وإثماً؟ وهوياتنا… ليست تلك التي بين أيدينا والتي يريدون استبدالها… هوياتنا هي وجوهنا… وملامحنا… وأسماؤنا… وسماتنا… واللغة التي بها نتكلم.
وأرقام مساكننا ليست هذه التي منحونا إياها مقطوعة من شجرة العد والتعداد لديهم بل هي جزء من السلسلة التي تنتظم البيوت في دمشق وحلب واللاذقية ودرعا والسويداء.
أما عناوين أهلنا وأحبائنا فهي المخبوءة في الصدور.. الساكنة في أحداق العيون. والوطن ليس مفتاح بيت… وعنوان بريد… وشباك هوية. والوطن لا يسجل بقرار… ولا يمحى بقرار.
الوطن هو خبز الجياع… أمن الخائفين… صلاة تفتح من أجلها الشبابيك والأبواب. الوطن ماض كما هو حاضر ومستقبل.
والوطن جذور…
ونعلمك في هذا الشريط المهرب إليك أيتها العمة جليلة كل هذا. مفجع أن نهرّب كلامنا… لكننا في اللحظة الحاسمة نذيعه للعالم.
ونفتح حقائب حروفنا لنعثر من أجلك على قصيدة حب. تحترق الحروف… تحترق الحقيبة ولا يصل إليك إلاّ لهاث الكلمة. الدمعة توشك على السقوط.
المهم أن تظلي على الانتظار…
ونظل نحن على الآمال الكبار…
يقال إن موت شعب هو موت الوطن فيه… ونحن هنا… وأنت حيث أنت… ونحن من شعب لا يموت.
أنت اقتلعت من أرضك… وحملت حبك معك…
ونحن بقينا… حامد وربيع وجميل ونواف فلاحون منزرعون في الأرض هنا. جباههم هدّها التعب وملأها عرقاً وتراباً لكنها لم تعرف الانحناء. وسلمى ونوران وحسناء نساء منشورة ثيابهن أمام البيوت… ثيابهن الشعبية الأصيلة. العواصف الترابية وأنواء السياسة جرحت منا العيون لكنها لا تزال مفتوحة على الحقيقة… والأيدي الجافة الخشنة لا تزال خشنة… لم تغسلها دهون الخديعة… ولم تصافح الخونة والمغتصبين.
وما زالت أحلام الأمهات تغزل من الحزن والعذاب مستقبلاً آخر للأطفال تدفع عربونه من لغة لا يتعلمونها في المدارس… وتراث ممنوع أصبح بضاعة مهربة… تاريخ أمجاد يروى من شفاه الآباء والأجداد.
وقبل أن تحترق البطاقات… كل البطاقات الشخصية منها والتموينية وبطاقات السفر والانتقال تموت العمة جليلة…
تموت انتظاراً…
فهي منذ حرب تشرين لم تفهم معنى الخط البنفسجي ولا خط الدفاع الأوسط أو الشرقي… لم تدرك معنى الاختراق وعمق العمق في استراتيجية القتال.
اهتزت فرحاً بحرب تشرين…
ومرّ أكثر من تشرين…
وماتت في تشرين هذا.
ماتت قبل أن يعلن شهر مشؤوم فراقاً رسميّاً توقعه دولة الظلم بينها وبين الأهل والأحبة المحتجزين.
ترحل جليلة قبل أن يرسلوا لها أنهم في أرضهم سيظلون صامدين.
وقبل أن تنشر الصحف في العالم والتلفزيونات والمجلات صورهم… وقبل أن يعتقلهم البوليس بتهمة الانتماء للوطن.
***
وأنا… لم الدموع في عيني؟
ألأني الشاهدة البعيدة القريبة على مأساة العمة جليلة؟
هل لأني أحببت تلك البقعة من الوطن يوماً كما لو أنها وشم مقدس وشمت به ابنتي؟
هل لأنني وأنا في العشرين قطفت تفاح الفرح من بساتينها والسوسن البري من جبالها ووديانها؟
هل لأن الدهشة سكنت مع الاعتزاز قلبي بأن الوطن جميل بمقدار ما هو منيع وكبير؟
أريد أن أتذكر تلك البقعة من الأرض جزءاً… جزءاً فقط.
حتّى كهوفها… ومغاورها… وقمم الثلج فيها. حتّى مرابض جنودها… وخيام الساكنين على الحدود فيها.
فقط أريد أن أتأكد من الرايات المرفوعة هناك…
من الأيدي الملوحة هناك…
فقط أريد أن أقول ذلك أمام قبر العمة جليلة…
وأن أرطب بكلمة روح العمة جليلة.
دمشق 1985
مجلة الموقف الأدبي السورية ، العدد 452 ، كانون الثاني 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























