علاء ابو ضهير: لماذا نمشي تحت المطر!

كتبهاصباح الحواصلي ، في 11 يناير 2009 الساعة: 20:33 م

لماذا نمشي تحت المطر! 
علاء ابو ضهير
بينما كنت سائراً وصديقتي تحت رذاذ المطر، توجهت لي بالسؤال: لماذا ُتحب المشي تحت المطر بينما يهرب منه الآخرون!
 
وقبل أن أجيبها، رجعت إلى الماضي البعيد، استذكرت عهداً مضى وأياما كنا فيها صغار السن نلبس الأحذية البلاستيكية عالية السيقان، ندوس بها وسط برك المياه المجتمعة في ُحفر الشوارع لنصنع دوائر مائية تكبر كأمواج الصوت. نلبس المعاطف والحطة الفلسطينية مع العقال أحيانا، نربط البنطال بالجوارب وندس أقدامنا في تلك الجزم العالية المقاومة للمياه، شعور لذيذ كنا نحب أن نعيشه بعد أن كنا قد عانينا الأمرين من تسرب المياه إلى أقدامنا حين كنا نلبس الأحذية الجلدية القابلة للتمزق.
 
كنا نفتخر بحمل الشمسية الطويلة التي كان ينافس طولها طولنا، تلك المظلة التي تزودنا بالشعور بالهيبة والبرستيج، لم يكن متاحاً لنا جميعاً حمل المظلات لذلك كنا نتناوب على حملها، بالكاد تجد أكثر من مظلتين في المنزل، واحدة للأب والأخرى للام.
 
كان المطر غزيراً، وهكذا كان دوماً أيام الطفولة، ليس كحاله هذه الأيام، لا أذكر أن أصبح المطر شحيحاً إلا مرة من السنوات في أوائل الثمانينات، ذهب سكان المدينة يتقدمهم كبارها من رجال الدين والشيوخ إلى منطقة تسمى العامود حيث يوجد فيها مسجد قديم يتمتع بتاريخ صوفي لدى سكان المدينة ودارت حوله بعض الأساطير والقصص عن العديد من الكرامات، تقدمت فرقة صوفية موكب المواطنين يرأسها شيخ جليل يدعى الشيخ نظمي والذي ُعرف بالورع والتقوى، كان صاحب طريقة صوفية تميزت بتنظيم الأمسيات الصوفية التي يتحلق حولها الناس لمشاهدة الحركات الغريبة من إدخال السيف والأبر إلى بطون وذقون الصوفيين وإخراجها دون نزول الدماء.
 
ما أن وصلنا إلى الجبل الذي يوجد على سفحه مسجد العامود في منطقة ُسميت باسمه حتى الآن، حتى تصاعد قرع الطبول والتهليل والتكبير والدعاء والبكاء من قبل الشيوخ والمصلين الذين لبسوا ملابسهم مقلوبة تضرعاً الى الله واستغاثة برحمته، وكلما اشتد قرع الطبول والدفوف كلما شعرنا بلمسة صوفية تزودنا بالأمن والسكينة.
 
ثم نعود لحارتنا في حي الشيخ مسلم من البلدة القديمة، حيث يجتمع الأطفال والشبان حول نار يتم إيقادها في تنكه مهترئة يتم تزويدها بالحطب والخشب الذي تتم شحدته من المناجر الكثيرة في الحارة، يترك الشبان منازلهم الدافئة ليجتمعوا حول نار التنكة على قارعة الطريق أو تحت سقف من التنك بينما يرتفع لهيب النار إلى الأعلى كلما ُوضع المزيد من الخشب فيها، يتنافس الشبان على السهر حول نار الصفيحة غير عابئين بالهواء الملوث طالما ينعمون بالدفء المتصاعد منها.
 
وفي الليالي الماطرة، نلتف حول المنقل القديم الذي تتوسطه بعض الأسياخ الحديدية التي كنا نضع عليها الجبنة البيضاء التي تنبعث منها رائحة الشواء، وفي أوقات أخرى نضع الكستناء التي تتفرقع تحت الرماد معلنة استواءها، لنخرجها ونقوم بتقشيرها ونارها تلسع أصابعنا، تتقاذفها الأصابع المصرة على تقشيرها قبل برودها، وفي بعض الأيام، كانت تزورنا جدتي أو جدي حيث نلتف جميعاً حول ذلك المنقل القديم ونشاهدهم كيف يدهنون الصينية بالسمنة والصبغة ويرشون العجينة الصفراء عليها ثم يصفون قطع الجبن المحلى الواحدة تلو الأخرى، ثم يقومون بوضع علامة تظهر نقطة البدء بتحميص الكنافة ونبقى بانتظار اكتمال الدورة دورة كاملة ليعلن بعدها جدي او جدتي عن جاهزية الصينية للقلب، نتوتر قليلاً بانتظار رؤية وجه الصينية ونهلل ونكبر فور رؤيتها حمراء لا شقراء، ينبعث منها الدخان والهواء الساخن فور سكب القطر عليها، ننتظر حاملين صحوننا الصغيرة بانتظار سكب قطعة لكل منا، نتذوقها بينما يلذ لبعضنا تناولها بالخبز لا بالملعقة. وعلى السهرة، يلذ تناول السوائل الشتوية من سحلب و(إينر).
 
لا يفوتني الحديث عن تلك القصص والأساطير التي يتحدث بها الكبار في ليالي الشتاء الماطرة، حيث يحلو لهم استذكار قصص تتناسب مع صوت الرعد الذي يهزنا ويثيرنا رعبا وخوفاً، يتندرون بأحاديث عن سكان العالم السفلي (الجن، الغولة، العامورة)، ويحللون ويشرحون الفرق بين الجني المسلم والجني الكافر، يتحدث بعضهم عن رؤية بعض الجان في ليالي الشتاء الماطرة المعتمة إذ يعرفونهم من أقدامهم التي تشبه حوافر الماعز، حدثونا عن قصص وأساطير لأناس يتنقلون ويسافرون من خلال الجدران بينما تم اختطاف البعض الآخر من الإنس إلى العالم السفلي، هذا فضلاً عن البعض الآخر ممن استحوذت على شخصيتهم جنية شريرة لا بد من التخلص منها بزيارة الشيخ علي في الحارة الفوقى وذلك من اجل الحصول على حجاب نستعيذ به من شر هذه الجنية.
 
في خان التجار القديم المسقوف، كانت ارض الخان مبلطة بالبلاط السلطاني الناعم الاملس بني اللون، تعلوها بعض المياه التي تسللت بواسطة أحذية المشاة وعرباتهم، وكثيراً ما كان يتزحلق المشاة على هذا البلاط طيلة الايام الماطرة، لم يكن حال شوارع المدينة أفضل من حال خان التجار، إذ أن مدينة نابلس لم تكن مهيأة للمطر، كثيراً ما تدفقت المياه إلى المنازل في المناطق المنخفضة من البلدة القديمة وإندفع المواطنون لإخراجها من المحال التجارية والمنازل.
 
كنا نندفع في المستنقعات الصغيرة في الشوارع، ننشد ونحن في طريق عودتنا من المدرسة، يا ربي تشتي، وأروح عند ستي، تعمللي فطيرة، آكلها وأنام، وأصبح جيعان … أو اشتي وزيدي، بيتنا حديدي، عمنا عبد الله، كسر الجرة، أو سعدانه سعدانه، نطت عالخزانة، أبوها ضربها، سرقت بيتنجانة، الى آخرها من تلك الأهازيج الشعبية التي لا تسعفني الذاكرة في التقاط بقية مفرداتها.
 
نخلع ملابسنا فور وصولنا إلى المنزل، تضع والدتنا هذه الملابس قبالة المنقل، إذ لم يكن لدينا صوبة غاز أو كاز في تلك الأيام، كنا نحصل على الدفء بواسطة إحراق مادة تسمى (الدق) والذي نضع بينه بعض الفحم، هذا (الدق) الذي نحصل عليه من (الجفت) أو نوى الزيتون بعد تجفيفه، والذي نشتريه بالأكياس الكبيرة قبل موسم الشتاء ونخزنه في مواقع مختلفة من المنزل استعداداً لبرد الشتاء.
 
على مقربة من المنقل، نتسمر أمام شاشة التلفزيون الأسود والأبيض ذو القناة الوحيدة، الأردن، ننتظر انتهاء نشرة الأخبار بفارغ الصبر لنتمكن من متابعة المسلسل اليومي، وأحيانا نشاهد الثلوج تمطر على جبال عمان السبعة، تغمرنا الفرحة حين نعلم بتساقط الثلوج في عمان لأن ذلك يعني أن التلفزيون سيبدأ البث من وقت العصر بدلاً من المغرب إذ كان يقوم التلفزيون الأردني ببث مسرحية لبنانية لفيروز والرحابنة أو مسرحية سورية لدريد لحام. كانت تمطر أياما متواصلة دون توقف، كانت أياما سعيدة، وتقولين لي يا صديقتي: لماذا أحب أن امشي تحت المطر!
نابلس، ليلة راس السنة
31/12/2008
 
 منقول عن موقع أصدقاء القصة السورية
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر