Yahoo!

مختارات من القصة العربية

كتبها صباح الحواصلي ، في 4 يناير 2008 الساعة: 20:44 م

مختارات من القصة العربية

إعداد

صباح الحواصلي

 عزيزي القارئ

أعرض في مدونتي هذه قصصاً قصيرة لكتاب عرب هي حصيلة قراءاتي وتفاعلي, قارئاً وكاتباً, مع هذا الفن الجميل خلال أربعة عقود من الزمن.

وشكراً لمتابعتكم..

صباح الحواصلي

قاص من سورية مقيم في الولايات المتحدة

sabahhawasli@yahoo.com

بانتظار زيارتكم لمدونتي الخاصة

http://sabahhawasli.maktoobblog.com/

محمد صباح الحواصلي 

قاص سوري من أهالي مدينة دمشق, مواليد 1949

 دبلوم في اللغة الإنجليزية, لندن 1971 – 72

 بكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة دمشق عام 1976

 عملت في حقلي الترجمة والتدريس 1973 – 1976

 ثم خبيرا في الترجمة في المؤسسة العامة للكهرباء, دمشق, عام 1980

 عملت مترجما ثم مديرا إداريا في شركة أوشكو بي آيه أي, الرياض 81-86

 عملت مساعدا للمدير الإقليمي في شركة وستنجاوس, الرياض, 86-88

 ثم مديرا إداريا لشركة الجريسي لخدمات الكمبيوتر, الرياض, 1988

 عضو جمعية أصدقاء مدينة دمشق.

 أكتب القصة القصيرة منذ عام 1982 في الصحف السورية والعربية, الورقية والرقمية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

غسان كنفاني: شئ لا يذهب

كتبها صباح الحواصلي ، في 24 يناير 2009 الساعة: 08:58 ص

شيء لا يذهب

غسان كنفاني

القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل إلى طهران … قال لنا مفتش القطار قبل ان نغادر عبدان أن علينا أن نحرس أنفسنا، فالطريق طويل، واللصوص ينتهزون فرصة حلول الليل.. كي يمارسوا طريقتهم الخاصة في الحياة ..
قررت أن لا أنام ..فثمة كتاب ملون أستطيع أن أقرأه في الليل … كتاب ألفه إنسان كان يحس أكثر من اللازم ، ويفهم أكثر من اللازم … ومقصورتي في القطار متواضعة .. ايرانية جميلة تجلس في المقعد المقابل تفحصني كي تستكشف في اللص ، لم تطمئن إلي بعد … وعجوز ، قد يكون أباها ، سقط في النوم قبل أن يخفق القطار بالرحلة الطويلة … وصديق هادئ يجلس إلى جانبي يستعرض الطريق .. أحسن ما في هذا الصديق أنه لا يثرثر ، وإذا تكلمفاللغة العربية ..
أحسن طريقة كي أحرس نفسي ومن معي ، كما أوصانا المفتش السمين الذي يعرف سبع كلمات عربية ، أن لا أنام … لقد أبدى المفتش السمين قلقه علي … فأنا نحيل ذو وجه اصفر قد لا أستطيع أن أسهر .. ولكنني قلت له إنني استطيع .. ولم افهم نكتته الايرانية التي ضحك لها طويلاً وهو يغمز مشيراً إلى الحسناء .. بينما احمر وجه الأخيرة .. وصعدت القاطرة مع والدها العجوز ..
قال لي صديقي ان وجه الإيرانية لا يعجبه بتاتاً .. وأنها تشبه الدكتور مصدق .. الذي لو كان امرأة لما كان بديعاً قط… وهكذا اعتقد صديقي أنه إذا سنح له الحديث مع الحسناء فسيكون سيد الفرصة بلا غريم … بعد ان اطمأن إلى أنه اقنعني بملاحظته
كنت في الحقيقة لا أرغب في الكلام .. كان الكتاب بديعاً .. طباعته انيقة ، وصوره فذة .. وكلماته ليست سوى غطاء بئر سحيق ، إذا ما تمكنت من رفعه ، فسوف لن ترى القاع البعيد مطلقاً ..
كان الكتاب يحمل اسم عمر الخيام ..
وقيمته بالنسبة لي هي أنه أشير مره إلى رباعية فيه بالقلم الرصاص .. وضعتها الفتاة التي أحببتها .. الرباعية تقول :
آه أيها الحب .. لو أستطيع أنا وأنت أن نتفق مع القدر .. كي ندمر هذا الطابع الوحيد للعالم ..
إلى قطع صغيرة صغيرة ..
ثم نعيد بناءه من جديد .. كما تشتهي قلوبنا ..
فتحت على تلك الصفحة دون أن أشعر .. فرائحة الطريق الطويل بدت مثيرة .. كانت الدائرة المرسومة حول الرباعية بالقلم الرصاص تكاد ان تختفي . لقد مرت سنوات ثمان على اليوم الذي رسمت فيه هذه الدائرة .. ورغم ذلك فأنا لن انساها مطلقاً ..
لا أريد أن أنام في القاطرة .. لا لأحرس نفسي.. بل لأستعيد اللحظات الضبابية لما حدث قبل ثمان سنوات.. لقد بدأت العتمة تهبط .. وبدا لوهلة ان صوت العجلات المنتظمة .. موسيقى غريبة تدفع بهذا الراس المرهق .. إلى الماضي ..
***
اطمأنت الايرانية الحسناء أخيراً إلى أنني لست لصاً ، أو لست لصاً خطيراً على الأقل .. فاستسلمت لإغفاءة قلقة .. وبقي صديقي يحدق في الطريق المعتم دون أن يكف عن التحديق في الحسن النائم أيضاً ..
كانت ليلى تطلب مني ألا انظر إليها عندما تنام .. كانت تعتقد أن تقاطيع وجهها تكون صادقة عندما تفقد التحكم بها .. وهي لا تريد أن أعرف شعورها الحقيقي تجاهي .. تخاف أن أصبح مغروراً ..
لم يكن اسمها ليلى .. كنت ادعوها ليلى لانها كانت تدعوني ( قيساً ) ..
دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارها كثيراً .. خلف أول منعطف يقع على يمين دارنا ، ليس عليك سوى أن تعد أربعة أبواب ثم تصعد بناية بيضاء إلى الطابق الثالث ، فستجد بيت ليلى لا محالة .. إذا لم تكن هذه البناية قد تهدمت بعد قصف حيفا ، فلا شك أن ليلى ما زالت تسكن هناك ..
لقد خرجت من حيفا قبل أن تسقط في يد اليهود .. ولم امسك بندقية في حياتي قط .. كان الشارع الطويل الذي ينصب فيه شارعنا هو ميداني الوحيد .. كنت مشهوراً في ذلك ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يوسف أدريس: بيت من لحم

كتبها صباح الحواصلي ، في 24 يناير 2009 الساعة: 06:07 ص

بيت من لحم
 
يوسف أدريس
 
الخاتم بجوار المصباح، الصمت، الصمت يحل فتعمى الآذان، في الصمت تتسلل الأصبع، يضع الخاتم.
في صمت أيضًا يطفأ المصباح، والظلام يعم في الظلام أيضًا تعمى العيون، الأرملة وبناتها الثلاث، والبيت حجرة والبداية صمت.
الأرملة طويلة بيضاء ممشوقة، في الخامسة والثلاثين، بناتها أيضًا طويلات فائرات، لا يخلعن الثوب الكاسي الأسود بحداد أو بغير حداد، صغراهن في السادسة عشرة وكبراهن في العشرين، قبيحات ورثن جسد الأب الأسمر المليء بالكتل غير المتناسقة والفجوات، وبالكاد أخذن من الأم العود.
الحجرة، رغم ضيقها تسعهن في النهار، رغم فقرها الشديد مرتبة أنيقة، يشيع فيها جو البيت وتحفل بلمسات الإناث الأربع، في الليل تتناثر أجسادهن كأكوام كبيرة من لحم دافئ حي، بعضها فوق الفراش، وبعضها حوله، تتصاعد منها الأنفاس حارة مؤرقة، أحيانًا عميقة الشهيق.
الصمت خيم منذ مات الرجل، والرجل مات من عامين بعد مرض طويل، انتهى الحزن وبقيت عادات الحزانى وأبرزها الصمت، صمت طويل لا يفرغ، إذ كان في الحقيقة صمت انتظار، فالبنات كبرن والترقب طال والعرسان لا يجيئون ومن المجنون الذي يدق باب الفقيرات القبيحات، وبالذات إذا كن يتامى؟ ولكن الأمل بالطبع موجود، فلكل فولة كيال، ولكل بنت عدلها، فإذا كان الفقر هناك، فهناك دائمًا من هو أفقر، وإذا كان القبح هناك، فهناك دائمًا الأقبح، والأماني تُنال أحيانًا بطول البال.
صمت لم يكن يقطعه إلا صوت التلاوة، يتصاعد في روتين لا جدة فيه ولا انفعال، والتلاوة لقارئ، والقارئ كفيف، والقراءة على روح المرحوم وميعادها لا يتغير، عصر الجمعة يجيء بعصاه ينقر الباب، ولليد الممدودة يستسلم، وعلى الحصير يتربع، وحين ينتهي يتحسس الصندل، ويلقي بتحية لا يحفل أحد بردها، ويمضي، بالتعود يجيء، بالتعود يقرأ، بالعادة يمضي، حتى لم يعد يشعر به أو ينتبه إليه أحد.
دائم هو الصمت، حتى وتلاوة عصر الجمعة تقطعه أصبحت وكأنها قطع الصمت بصمت، دائم هو كالانتظار، كالأمل، أمل قليل ولكنه دائم، فهو أمل في الأقل، دائمًا هناك لكل قليل أقل، وهن لا يتطلعن لأي أكثر، أبدًا لا يتطلعن.
يدوم الصمت حتى يحدث شيء، يجيء عصر الجمعة ولا يجيء القارئ، فلأي اتفاق مهما طال نهاية، وقد انتهى الاتفاق.
وتدرك الأرملة وبناتها الآن فقط كنه ما تقدم، ليس فقط الصوت الوحيد الذي كان يقطع الصمت، ولكن أيضًا الرجل الوحيد الذي كان ولو في الأسبوع مرة يدق الباب، بل أشياء أخرى يدركن، فقير مثلهن هذا صحيح، ولكن ملابسه أبدًا نظيفة، وصندله دائمًا مطلي، وعمامته ملفوفة بدقة يعجز عنها المبصرون، وصوته قوي عميق رنان.
والاقتراح يبدأ لماذا لا يجدد الاتفاق ومنذ الآن؟ ولماذا لا يرسل في طلبه هذه اللحظة؟ مشغول، فليكن الانتظار ليس بالجديد، وقرب المغرب يأتي، ويقرأ وكأنه أول مرة يقرأ، والاقتراح ينشأ، لماذا لا تتزوج إحدانا رجلاً يملأ علينا بصوته الدار؟ هو أعزب لم يدخل دنيا، وله شارب أخضر، ولكنه شاب وبالكلام يجر الكلام، ها هو الآخر يبحث عن بنت الحلال.
البنات يقترحن والأم تنظر في وجوههن لتحدد من تكون صاحبة النصيب والاقتراح، ولكن الوجوه تزور مقترحة -فقط مقترحة- قائلة بغير كلام أنصوم ونفطر على أعمى؟ هن ما زلن يحلمن بالعرسان، والعرسان عادة مبصرون مسكينات لم يعرفن بعد عالم الرجال، ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه.
-   تزوجيه أنت يا أماه، تزوجيه
- أنا؟ يا عيب الشو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قمر كيلاني: وجع من ذاكرة الجولان

كتبها صباح الحواصلي ، في 17 يناير 2009 الساعة: 03:26 ص

وجع من ذاكرة الجولان

قمر كيلاني

العمة “جليلة” وقفت أمام أبناء أخيها في لحظة من التاريخ لا تنسى… لا تباع ولا تشترى… والعام 1967.‏

ـ القنيطرة سقطت يا أحبائي.. وأنا سأرحل إلى دمشق… ما يجديني أن أعيش مسلوبة في زمان مضى؟ ما يجديني أن أبقى بلا روح وروحي أخذت مني مع بيتي الصغير والحديقة وشوارع كان يقطنها الأحباب؟ لو أستطيع البقاء لبقيت… لو أستطيع افتدائها بدمي لأفتديت.‏

ثم بكت… وأعولت… وندبت.‏

آه أيتها القنيطرة… يا وردة سقطت من جنّة السماء… يا زمردة القلب. تظل الذاكرة ممتلئة وجعاً من أجلك.‏

أما هم… أولاد أخيها فقط ظلوا في قرية هناك… في الجولان… حيث مزرعتهم… وبيوتهم البيضاء الصغيرة… ومدارس أولادهم. مصابين بما يسمونه التعلق بالأرض. يعانون القلق والحنين. خبزهم المرارة… وماؤهم الحزن الطهور. وهل يعقل أن يرموا بقلوبهم إلى أسراب الغربان المهاجمة بشراسة؟ كان عليهم أن يحتفظوا بقلوبهم فقط… أن يدافعوا عن وجودهم فقط.‏

ولتخط السطور ما شاءت من الحكايات فالأُسَر انشطرت.. والبيوت انقسمت… وتمزقت الشرايين بين الشوارع والحارات وانقطعت خطوط البريد والمواصلات. لم يبق سوى السر الخفي العلني… سر الوطن الواحد الموحد.‏

كانوا قد قالوا لها:‏

ـ إليك سنعود… إلينا ستأتين يوم الخلاص… يوم يبزغ فجر عظيم… يوم ينفجر البركان.‏

وغابت….‏

ومرت عجلة السنين.. وانهارت امرأة جاوزت الستين.‏

انهارت عندما بدأت تعرف أن للفراق طعم الموت… وأن للصور والتذكارات وخُصل الشعر المقصوصة شفرات تقطع الذاكرة كحد السكين.‏

والقنيطرة… طفلة الوطن… مصلوبة على جدران الوطن.‏

ووراء الجدار الأهل… يذيبهم الشوق كما يذيبها الحنين.‏

وحين أتى تشرين… وأمطرت السماء أعياد انتصار تطلّعت بعينين دامعتين… بجناحين مكسورين… برفيف حب يزهر فيه الأمل.‏

سأذهب.. أو سيأتون.‏

وليس إلاّ الانتظار.‏

لغة العصر والحرب لا تفهمها العمة “جليلة”… تفهم أن يلتقي الأحباب… ويجتمع الشمل. وتنام كل ليلة مع أحزانها… تشحذ ذاكرتها المتعبة لتستعيد كل لحظة كانت لها هناك… لتستحضر كل وجه تعرفه هناك.‏

ومن الإذاعة هتفت بهم: اكبتوا إليّ يا أحبائي… ابعثوا لي بأخباركم.‏

ولكن… كيف يكتبون؟ كيف يبعثون بأخبارهم وحواجز الأسلاك الظالمة تدمي أيديهم… تخرس حناجرهم؟‏

(نحن رهائن عندهم يا عمتنا….لن يدعونا نفلت من قبضة الحديد والنار حتّى تسوى في زعمهم قضية “السلام” ويزول كل “إشكال”. وجنودهم…‏

جنودهم على أعتاب بيوتنا…‏

وبنادقهم مصوبة إلى صدورنا…‏

وقضيتنا يا عمة واضحة كالشمس… حقيقية كالشمس.. ونخشى أن يسألونا فيما يسألون: لم تنامون على العشق؟ عشق دمشق؟‏

ليس جريمة أننا ننام على عشق الوطن…‏

لكنهم يريدون أن يذيبوا من قلوبنا كعبة الوطن… وأن يجعلوا للقهر اليومي صوت الكلمات… ووجهك معنا…. يطل علينا كأنه من السماء وعداً باللقاء. تضميننا بالحب…. بالكبرياء. تتحدثين عن الفرح المختبئ تحت جناح تشرين.‏

ونحن غرقنا في الصمت بعد أن رحل تشرين…‏

والصمت لا يعني عدم القدرة على الفعل… حين يأتي أوان الفعل.‏

الحواجز هنا… حواجزهم… وهمية لم يستطيعوا أن يفرقوا بيننا. ما زلنا أسرا صغيرة ترفع شعار الوطن الأم… ما زلنا نتمسك بعاداتنا وتقاليدنا… نبكي على أنغام العتابا والميجنا ونأكل خبزنا المعجون بالألم والدموع. ما زلنا في اجتماعاتنا نتشاور… ونتبادل الرأي.‏

ونعلن احتجاجنا على الغزاة لا نملك سواه. لا زالت صحفنا المنشورة بين أيدينا هي التي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سولاف هلال: إلى الوراء دُر

كتبها صباح الحواصلي ، في 17 يناير 2009 الساعة: 02:47 ص

إلى الوراء دُر
سولاف هلال
بضعة أعوام مضت، تجر في أعقابها أحلامي. أمنياتي ومفردات شكلتها حياتي التي كانت تنعم يوما بالسلام.
بضع سنوات أبت ذاكرتي أن تحصيها، لأنني لم اكترث بها يوما ولم تعرني هي أيضا أيما اهتمام، رغم أنها شهدت جنوني وسر دفنته بين طيات لساني خشية أن تكتشفه الجدران.
مر وقت طويل وأنا أكبل بالصمت لساني، لكنني سأشرع اليوم أبواب ذاكرتي، فليس هنالك ما أخشاه، لأنني لا أنوي ترك دليل يدينني، كل ما في الأمر أني سئمت صمتي والخوف وأريد أن أبث لهذه الأوراق الصماء بعض أحزاني، وسوف أمزق أوراقي والكلمات وسأمحو الذكريات فور انتهائي، وأرجو ألا أضطر أيضا لقطع لساني، فالموت مازال يلوح مرحبا وفي أكثر من اتجاه .
ها أنذا أفتح الأبواب والنوافذ لأطلق سراح زمن عابث، غير المسارات .. أطفأ نور السماوات، وهبنا الموت بسخاء، زرع الحزن في كل بيت وشارع .
أكاد أشم رائحة البارود .. غبار المعارك، آه إنها الحرب، أجل هي الحرب، أسمع صيحات الجنود .. أزيز الطائرات .. دوي المدافع وصوت الآمر يعنفني :
- هيا لاتكن جبانا، اذهب واتني بتلك الرأس، إنه الرفيق خالد .
     نعم هو الرفيق خالد صار محض رأس تتدحرج
كحلم جميل مضت تلك الأيام المعجونة بعنفوان صباي، بغداد تشخص أمامي بصخبها وجنونها، بشوارعها المزدانة بالفرح، بشواطئها المكتظة وأشجارها السامقة المعطرة بمياه دجلة الخالد .
كنت مطمئنا، أغزل أحلامي بألوان قوس قزح .. اكتشف غريزتي البكر باشتياق جامح. أجوب الشوارع بحثا عن ملذات قد لا تتناسب مع حداثة سني، أغازل فتاة هنا، أتعقب أخرى هناك .. أشتهي نساء .. أعري أجسادا رخامية لايمكنني الاقتراب منها إلا في حلم، تبهرني القطرات اللزجة فأزداد شبقا، أتوق لزرع لحمي في جسد امرأة، أية امرأة …
هكذا ظللت أشعل رغباتي ثم أطفؤها في الأحلام ليس إلا، حتى صحوت على كابوس متواتر مفزع بدد كل شىء وقادني إلى منعطف آخر لم يكن في الحسبان .
ذهبت بمفردي ترافقني دعوات أمي وأوراق حملتها بيد مرتعشة قاصدا دائرة التجنيد.
لم أكن يومها قد شفيت من مراهقتي بعد، تلك المراهقة التي تسببت في رسوبي لأعوام متتالية فصار لزاما علي الالتحاق بخدمة العلم في وقت لم يكن مثاليا بالنسبة لي ولا لمن هم سواي .
كنت كالذي فطم توا من ثدي الحياة، تسبق دموعي خطواتي وأنا ألهث راجلا صوب معسكر التدريب .
أتوغل في الطريق غير المعبد، أعب الهواء الملوث بالتراب لأستنشق رائحة الحرية قبل الولوج إلى عالم يجهلني كما أجهله .
بدت الأسوار أكثر شموخا وصار حجمي أقل ضآلة إزاءها، فلم يتبق سوى بضعة أقدام لأصل إلى الباب المنغلق على عوالمه السرية .
قال أبي وهو يسحبني من ذراعي الذي تشبث بعباءة أمي :
كف عن النواح كما الحريم، وحدها الجندية هي التي تصنع منك رجلا كما صنعت معظم الرجال .
هل صنعت الجندية مني رجلا بالفعل، أم أنها قضت على الطفل والرجل اللذان في داخلي يسكنان ؟
هناك .. أقف برأس حليق أذعن للأوامر .. أتلقى الدروس الأولى في النظام والانضباط والسلوك العسكري .
لم ترهقني الأوامر الصارمة بقدر ما أرهقتني النظرات والعبارات الساخرة التي صدرت من بعض الجنود الذين يتمتعون بقامات فارعة وبأجساد تفوح منها رائحة الرجولة، بينما أعاني من ضآلة جسدي ودقة ملامحي التي أعطت للبعض انطباعا ليس بصحيح.
استنفدت جميع أساليبي في ردع أولئك المتطاولين الذين استمرءوا إهانتي ولم يكفوا عن رجمي بالكلمات اللاذعة دون حياء، مما أثار حفيظة بعض الغيارى فتصدوا لهم ثم اتخذوني صديقا، أما أنا فسعيت لتعميق تلك الصداقة وأضفيت عليها طابع الحميمية لكن القدر لم يمهلنا طويلا لأنه كان يقف لنا بالمرصاد .
خلف الأسلاك الشائكة وبعيدا عن العالم الرحب الغارق في المتع والملذات عرفت. أن للحياة وجوها أخرى وأن للوجوه حياة أخرى غير التي نعرفها مهما حاولنا الاقتراب، لأنها لاتكشف عن حقيقة ذلك الوجه إلا لمن ترغب أن تمنحه ذلك الشرف الرفيع .
دعاني الضابط إلى مكتبه سرا، لم يكن ضابطا، بل كان يحمل رتبة عقيد، توجست ..
فهو متغطرس .. صعب المراس، لاتقوى على النظر في عينيه المتوهجتين، ولا يمكنك في أية حال من الأحوال أن تلمحه في حالة ارتياح، فهو متجهم دوما .. ثائرا بسبب أو دونما سبب .
استقبلني بحفاوة .. داعب رأسي الأمل، فربما يتكرم ويمنحني أجازة، اشتقت كثيرا لحضن أمي، لكن أية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

علاء ابو ضهير: لماذا نمشي تحت المطر!

كتبها صباح الحواصلي ، في 11 يناير 2009 الساعة: 20:33 م

لماذا نمشي تحت المطر! 
علاء ابو ضهير
بينما كنت سائراً وصديقتي تحت رذاذ المطر، توجهت لي بالسؤال: لماذا ُتحب المشي تحت المطر بينما يهرب منه الآخرون!
 
وقبل أن أجيبها، رجعت إلى الماضي البعيد، استذكرت عهداً مضى وأياما كنا فيها صغار السن نلبس الأحذية البلاستيكية عالية السيقان، ندوس بها وسط برك المياه المجتمعة في ُحفر الشوارع لنصنع دوائر مائية تكبر كأمواج الصوت. نلبس المعاطف والحطة الفلسطينية مع العقال أحيانا، نربط البنطال بالجوارب وندس أقدامنا في تلك الجزم العالية المقاومة للمياه، شعور لذيذ كنا نحب أن نعيشه بعد أن كنا قد عانينا الأمرين من تسرب المياه إلى أقدامنا حين كنا نلبس الأحذية الجلدية القابلة للتمزق.
 
كنا نفتخر بحمل الشمسية الطويلة التي كان ينافس طولها طولنا، تلك المظلة التي تزودنا بالشعور بالهيبة والبرستيج، لم يكن متاحاً لنا جميعاً حمل المظلات لذلك كنا نتناوب على حملها، بالكاد تجد أكثر من مظلتين في المنزل، واحدة للأب والأخرى للام.
 
كان المطر غزيراً، وهكذا كان دوماً أيام الطفولة، ليس كحاله هذه الأيام، لا أذكر أن أصبح المطر شحيحاً إلا مرة من السنوات في أوائل الثمانينات، ذهب سكان المدينة يتقدمهم كبارها من رجال الدين والشيوخ إلى منطقة تسمى العامود حيث يوجد فيها مسجد قديم يتمتع بتاريخ صوفي لدى سكان المدينة ودارت حوله بعض الأساطير والقصص عن العديد من الكرامات، تقدمت فرقة صوفية موكب المواطنين يرأسها شيخ جليل يدعى الشيخ نظمي والذي ُعرف بالورع والتقوى، كان صاحب طريقة صوفية تميزت بتنظيم الأمسيات الصوفية التي يتحلق حولها الناس لمشاهدة الحركات الغريبة من إدخال السيف والأبر إلى بطون وذقون الصوفيين وإخراجها دون نزول الدماء.
 
ما أن وصلنا إلى الجبل الذي يوجد على سفحه مسجد العامود في منطقة ُسميت باسمه حتى الآن، حتى تصاعد قرع الطبول والتهليل والتكبير والدعاء والبكاء من قبل الشيوخ والمصلين الذين لبسوا ملابسهم مقلوبة تضرعاً الى الله واستغاثة برحمته، وكلما اشتد قرع الطبول والدفوف كلما شعرنا بلمسة صوفية تزودنا بالأمن والسكينة.
 
ثم نعود لحارتنا في حي الشيخ مسلم من البلدة القديمة، حيث يجتمع الأطفال والشبان حول نار يتم إيقادها في تنكه مهترئة يتم تزويدها بالحطب والخشب الذي تتم شحدته من المناجر الكثيرة في الحارة، يترك الشبان منازلهم الدافئة ليجتمعوا حول نار التنكة على قارعة الطريق أو تحت سقف من التنك بينما يرتفع لهيب النار إلى الأعلى كلما ُوضع المزيد من الخشب فيها، يتنافس الشبان على السهر حول نار الصفيحة غير عابئين بالهواء الملوث طالما ينعمون بالدفء المتصاعد منها.
 
وفي الليالي الماطرة، نلتف حول المنقل القديم الذي تتوسطه بعض الأسياخ الحديدية التي كنا نضع عليها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محمد العريشية: كان يمكن للسماء أن تمطر

كتبها صباح الحواصلي ، في 3 يناير 2009 الساعة: 02:58 ص

كان يمكن للسماء أن تمطر
 
محمد العريشية
 
كان يمكن للسماء أن تمطر.. لكنها لم تفعل، لم يكن العجوز راضيا عن رؤية السماء شاحبة مغطاة بقشرة كالرماد، بيد أنه تقبل الأمر على مضض . فإذا كان ما تصبو إليه الأرض نزرا يسيرا من المطر، فما يصبو إليه هو أن يستبدل فؤوسه ومحراثه عديم الفائدة بصواعق تنزل حانقة لها ضوضاء وجلبة على مساحة الأرض الخشنة التي أماتتها الشمس وحولتها إلى حجارة، فتنبشها.. تخددها.. تحفرها.. وتجعل عاليها سافلها. الشتاء قارص، تساعده الرياح على نفث سمه صباح مساء لغزو المفاصل والظهور المنحنية. كانت القرية مقفرة لا أحد أو شيء يتحرك. نهض العجوز، واستمر بالمشي قليلا، حتى وصل شجرة أثل. مد بصره بعيدا. الأرض المخددة تكسوها الحجارة، واكوام من شجيرات رتم يابسة، ضرب يديه بحسرة وعاد إلى حيث كان يجلس، تدثر بعباءته، فتح كفيه إزاء حفرة النار وتمتم مغمض العينين :
-   إنه الجفاف، غمر كل شيء، حتى الأرض اكتسبت سحنته، وأثخنها بجراح مفتوحة الشفاه. لا شك أن المطر ماتت أو أنها رحلت إلى مكان ما، دون أن تخبر أحدا بذلك، ودون أن تلقي قطرتها الآخيرة على الأرض.أين الأعشاب ؟ إنها لا ترى على مسيرة يوم، أنظري إلى نباتات القرضاب الهزيلة أو تلك العوسجة الشاحبة، لقد ارتشف الجفاف نسغها حتى الجذور، ولا تخدعك وريقاتها المصفرة إنها تحتضر، لا يمكنك أن تلمحي أي أثر للحياة، حتى الغبار لم تذكره الرياح.
اتكأ على مرفقه. نظر إلى الصخرة النائمة جواره وقال :
-   سوف يجفّ صمتك أنت الآخرى، كم عمرك الآن ؟ خمسين ؟ ستين ؟ أنت في مثل عمري لكني أكبرك بفاجعة ورغبة في البكاء ليلا. الحياة مقرفة أليست كذلك ؟ مرة رأيت امرأة في ” سرت ” ينبت في وجهها شعر، لم تدمي كرامتها نظرتي، إنما ابتسمت بكبرياء، ربما أدركت بحسها الأنثوي أني في أحوج ما أكون إلى من يسندني بابتسامة . مشيت خلفها، توقفت، نظرت إليّ طويلا وقالت أخيرا : وسمت وجهي الحياة بعلامة لا تمحى، البعض يعتبرها عاهة، وأنت ماذا ستقول ؟ يبدو أن الكلام يملأ رئتيك أكثر من الهواء.
وضع يده على الصخرة، داعبها برؤوس أصابعه قليلا ثم قال و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مها حسن: حليمة في كريتيي

كتبها صباح الحواصلي ، في 3 يناير 2009 الساعة: 02:56 ص

حليمة في كريتيي
مها حسن
 
حليمة هي جدتي التي ماتت، كما أظن، منذ عشرة سنوات على الأقل، وهي إحدى جداتي الثلاث وأقربهن إلي، حيث اعتدنا، نحن أحفادهن، على مناداتهن بأصولهن، فنقول عن حليمة، جدتي الكردية، وعن سامية، جدتي العربية، وعن زينب، جدتي التركية. إذن، إن حليمة هي جدتي التي يفترض أنها ماتت منذ سنوات.
أما كريتيي فهو اسم مدينة صغيرة مجاورة لمدينة باريس الرحبة، حيث تسكن جانين، وحيث أزورها من وقت لآخر. و جانين، هي الجدة المفترضة، لطفل ما لم أنجبه بعد وقد لا يأتي.
كان من المفترض أن تستسلم حليمة للموت الذي رحلت معه منذ سنوات،  إلا أنها، كما يبدو لي، لم تقتنع بموتها، الذي وهبت إياه، لترتاح وتسكن بعيدا عن ضجيج مشاكل عائلتنا الكثيرة.
فهي تصر ومنذ موتها، على زيارتي من وقت لآخر، وكنت بقدر ما أستمتع باعتنائها بي، حتى بعد موتها، أتضايق لأنها لم ترتح من بلاوينا، وأن الموت لم ينقذها منا.
كنت أعتبر الموت استقالة لأحدنا من الواقع ومصائبه، للتفرغ إلى التأمل الساكن الهادئ الذي لا تشوبه رغبات الدنيا التافهة، وهمومها الصغيرة، ولكن جدتي ترفض الاستقالة.
لقد تحررت، هنا في فرنسا،  من زياراتها المباغتة لي، في أوقات أفضّل فيها أن أكون وحدي، إلا أن هذا على ما يبدو ليس  صحيحا.
كنت أجلس في منزل جانين، وهي تحيك شالا صغيرا من الصوف لحفيدها أو حفيدتها، الذين سأحمل بأحدهما ذات ليلة. ومع أن لا شيء يدل على إمارات الحمل، حيث يداعبني ابنها في كل مرة : قد تكونين حاملا منذ الليلة الفائتة… إلا أنها تحاول تمثيل دور الجدة الفاضلة منذ الآن، وهاهي تجلس أمامي على الأريكة، ممسكة بسنارتيها وكرة الصوف التقليدية، ذات اللون الرمادي الخاص بالجدات، وتستمع لألفس بريسلي.
لا أعرف تماما فيما لو كانت جانين معجبة ببريسلي، إلا أنها اعتادت سماعه، لكثرة ما سمعته حفيدتها الصغرى مرارا  وتكرارا معها.
تقول لي من وقت لآخر : أنت واثقة أني لا أزعجك، أستطيع وضع السماعات ؟ فأكرر لها، لا أبدا، أنا أستمتع بكل أصناف الموسيقا.
أجيبها دون أن أرفع رأسي عن جهاز الكمبيوتر الذي ينقذني منها، وها نحن كلتانا، كل منا تلعب دورها، هي، بصنارتيها وكرة الصوف، ونظارتيها، وجلستها على الأريكة… تؤدي دور الجدة المستقبلية لطفل قد أحمل به، وأنا، بجلستي الرصينة خلف جهاز الكمبيوتر، وفنجان قهوتي الساخن جواري، أؤدي دور الكاتبة الجدية.
كما تنقذها صنارتيها من اتهام ما بلامبالاتها ت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ايهاب عبد الحميد: الكاتبة

كتبها صباح الحواصلي ، في 3 يناير 2009 الساعة: 02:45 ص

الكاتبة

ايهاب عبد الحميد
 
بينما كنا نحشش وأختلس النظر إلى ساقيها المكشوفتين المتكئتين على الطاولة المقابلة قالت فجأة أحيانا تنتابنى الرغبة فى أن أنام معه.
كانت تتحدث عن شقيقها.
رجاء كاتبة، هى كاتبة متميزة فى الواقع، لها رواية قصيرة لاقت نجاحا لا بأس به، ومجموعة من القصص الظريفة. هى مصرية الأب والأم، وإن لم تولد فى مصر. جاءت إلى الوطن عندما كانت فى السادسة من عمرها مع والدتها، بينما ظل شقيقها يعيش فى انجلترا مع والدها يتابعان بيزنس العائلة العملاق، وانقطعت العلاقة بين الذكرين والأنثتين لسنوات لم تتخللها سوى زيارات قصيرة.
مشكلة رجاء تكمن فى ثرائها الفاحش، لم أصدق أنه يمكن لإنسان تزيد ثروته عن المليار دولار أن يكتب. ولكنها كانت تكتب، هنا بالذات، فى فيلتها التى يمكن أن ندعوها قصرا. كنت أشعر باستفزاز شديد وأنا أدخل القصر فأجدها بالملابس البيتية أمام حمام السباحة، تشرب عصير الفواكه الطازجة وتكتب على اللاب توب الذى كانت بطاريته تتحمل ساعات من العمل دون إعادة شحن. ما كان يشعرنى بالاستفزاز أكثر أن ما تكتبه كان جميلا.
تواعدنا أنا وهى، جربنا النوم فى فراش واحد عدة مرات، لكن العلاقة تحولت مع الوقت إلى صداقة. أو أننا اخترنا أن نسميها صداقة باعتبار أن هذه الكلمة الفضفاضة يمكن أن تستوعب كل ما يمكن تصوره من علاقات. لم يكن لدينا مانع من أن ننام سويا من وقت لآخر. والحقيقة أننى عندما لبيت دعوتها فى ذلك اليوم كنت أفكر فى الجنس. وكنت أتابع فضفضتها عن أخيها وأنا أدخن سيجارة الحشيش بنصف وعى وأنظر إلى ساقيها حين نطقَت بتلك العبارة:
-أحيانا تنتابنى الرغبة فى أن أنام معه.
كنت أعرفها جيدا، وأعرف ماذا تعنى كلماتها، وكانت تعنى ببساطة أنها تتحرق شوقا للنوم معه. هى بهذا الدهاء، تفصح عن مشاعرها على استحياء، فإن وجدت فيمن أمامها منصتا واصلت، وإن رأت الدهشة فى وجهه ضحكَت وقالت إنها تمزح. لم أدعها للمزاح، هززت رأسى بتفهّم فاجأها فانطلقت فى حوار نصف مسطول:
-السنة الماضية كنت فى حالة تعرفها جيدا. تتذكر عندما حاولت الانتحار؟ كنت فاقدة الثقة فى كل شيء، أنا وأمى كنا نتعارك يوميا، كانت تضربنى وأضربها. أمر فظيع أن تعيش امرأتان تحت سقف واحد. والأصعب من ذلك أننى كنت نسخة منها، نسخة أسوأ فى الواقع، كنت كلما أنظر إليها أعرف كم أنا بائسة، وهى أيضا عندما تنظر إلىّ تعرف كم هى بائسة. كنت مرآتها وكانت مرآتى. وفى لحظات الصفا كانت تسألنى مرآتى يا مرآتى.. من هى أقبح امرأة فى الدنيا.. فأقول لها أنتِ يا عزيزتى. لم نعد نحتمل بعضنا البعض، وسافرت هى إلى لبنان كى تعيش مع أختى كما قالت، ولكنى أعرف أن لها عشيقا أو أكثر هناك. أما أنا فظللت وحيدة هنا وسط عالم كل ما فيه يذكرنى بفشلى. أنت لم تعرفنى جيدا فى تلك الفترة، كنت بعيدا عنى، وحتى لو كنت قريبا لما استطعت أن تساعدنى، كان الأمر الوحيد الذى سيساعدنى هو الانتحار، لذا أقدمت على محاولة فاشلة أخرى، انتهت فى المستشفى. أعتقد أنها لم تكن محاولة جدية بالقدر الكافى. كان غضبا أكثر منه رغبة حقيقية فى الموت.
فى ذلك الوقت زارنى أخى، أنت تعرف أنه يكبرنى بخمس سنوات، لم أكن قد رأيته منذ سنين، وعندما دخل إلى غرفتى فى المستشفى مذعورا كاد جماله يجعلنى أغيب عن الوعى. أقول لك. تسارعت دقات قلبى المجهد وهو يقبلنى فى خدى وفى عينى وفى رأسى. ووددت ساعتها لو أضع يدى بين ساقيه على الفور.
واصلَت رجاء حكايتها، ما شجعها أننى كنت منصتا وأهز رأسى، لكنى لم أستطع أن أتابع القصة، وكأن أحدهم شد لجام عقلى محولا إياه إلى قصة أخرى وقعت قبل نحو شهرين. قصة عوض.
عوض كان شابا التقيته أثناء سعيى نحو تحقيق صحفى لم يكتمل بسبب كسلى المعهود وقرفى المزمن من مهنتى، تحقيق عن السوابق وما يلاقونه من سوء المعاملة على أيدى الضباط. بدأت التحقيق متحمسا لمناصرة هؤلاء السوابق المساكين، وانتهيت إلى نتيجة أن أفضل ما يفعله المرء هو أن يترك الأمور على حالها.
المهم أن التحقيق ساقنى إلى منزل عوض فى عابدين، كان عوض صديقا لأحد أصدقائى الذين دخلوا السجن لأسباب سياسية، وكانت ثمة مناسبة سعيدة فى منزله ذلك اليوم، ربما كانت زواج ابنة خاله، أو طهور أخيه الأصغر، أو خروج أحد أولاد عمومته من السجن. لا أتذكر تحديدا، ما أذكره أن الجلسة كانت منصوبة فى تلك الشقة الصغيرة، حيث نور النيون الأبيض يجاهد كى يخترق سحابة الحشيش الكثيفة التى تغمر الغرفة المطلية بالأخضر الغامق. مجموعة من الرجال الخشنين جالسون على المقاعد والأرض. دخلتُ بصحبة صديقى فأفسحوا لنا أفضل مكا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حسن بلاسم: تلك الإبتسامة المشؤومة

كتبها صباح الحواصلي ، في 14 ديسمبر 2008 الساعة: 00:32 ص

تلك الإبتسامة المشؤومة

حسن بلاسم

 
قفز الى ذهنه قول (ينبغي حماية الجسد وليس الأفكار)* وهو جالس على مقعد مرحاض في أحد المطاعم الصينية. حدسَ أن ذهنه يريد حل اللغز: لماذا تلك الأبتسامة اللعينة حين إستيقظ صباحا. خرج من التواليت وطلب قدح شاي أخضر. كان قد غادر البيت مبكرا قبل نهوض زوجته وأبنته. من المطعم بعث الى الزوجة رسالة هاتفية كتب فيها أنه خرج للتمشي قليلا وسيعود بعد ساعة. هاهي الساعة تنقضي. تذكر أنها طلبت منه بالامس أن يشتري في يوم الأثنين مكنسة كهربائية جديدة. أنتبه أثناء ذلك الى عجوزتين جالستين في زاوية من المطعم وتحلان معا كلمات متقاطعة في جريدة. إحداهما تمسك القلم والثانية تفكر واضعة أصبعها على أنفها. البارحة تعطلت المكنسة الكهربائية أثناء تنظيفه غرفة الصغيرة. شاهد الآن أنعكاس أبتسامته في قدح الشاي والتي صارت بلون أخضر. أخذ يفكر بقضية الافكار والجسد وهو يراقب المرأتين. من المحتمل أنه شاهد، قبل دخوله المطعم، مجموعة من الاطفال يقفون عند أشارة المرور منتظرين الضوء الاخضر. وقفوا في صفين، وكانت هنالك معلمتان. واحدة في المقدمة و أخرى في المؤخرة . خمن عدد الصغار : 12 تلميذا من فصيل الأمل القادم - حرك ذهنه ذيله فرحا. سوف لن يكونواسوى أطباء ومهندسين وقتلة وشعراء وكحولين وعاطلين عن العمل. أثنا عشر طفلا هما الغلاف الجديد لحكاية قديمة. تقدم ذهنه ببطء وأخذ يشم جيفة ميت. هؤلاء هم ابناؤنا وزوار قبورنا- قال. إثنتا عشرة فكرة تعبر الشارع مرحة ً نشطة. إنهم طاحونة المستقبل. نهض وتوجه الى الحمام مرة أخرى. غسل وجهه للمرة العاشرة لكن الأبتسامة مازالت عالقة فيه. لو لم يكن قد تعرض من قبل الى نكبات فنتازية ، لقال وهو يحدق في المرآة كأي رجل عاقل : غير معقول ! لكنه أعتاد على المفاجأت و تجاربه علمته عدم إضاعة الوقت في البحث عن أسباب مآزقه بل البحث عن مخرج الطواريء. خمن ذهنه أن الابتسامة كانت قد أنتقلت الى الرجل من حلم سابق. كان حلما سينمائيا ساذجا لاصلة له بذاكرته أبدا : قبلها من شفتيها. حاول صعود السلم لكنه جلس عند أوله. إبتسم وأسند رأسه الى الجدار. نظفت أسنانها في المطبخ. نادته بصوت مرتفع كي يأتي بشرشف السرير. أرادت أن تغسله. لكنه كان ينزل حينها الى بئر مثل ريشة تترنح في الهواء. كان بعيدا عن الضوء ، ميتا لم يسمع نداءها الاخير. المرأة ماتت بعد حادثة السلم ، بأربع سنوات. وجدوها نائمة على مائدة المطبخ وفي يدها عود تنظيف الاسنان وعليه قطعة لحم بحجم نملة.
  هل نقول إن أشعة الشمس كانت تدخل من النافذة أم أن المطر كان يضرب زجاج النافذة بعد ان نظفت المرأة أسنانها جيدا. الحلم نفسه يتكرر كل ليلة. هناك حاجة الى شيء من تلك الموسيقى الكلاسية. أين أختفت حكايات الموت الصغيرة تلك. يالها من سذاجة أبدية في قصص موتنا الجميل. تلك القصص الصغيرة المدببة مثل عود تنظيف الاسنان. لم أبتكرنا كل هذه الاشكال المعقدة لحكايات الجثة. كان ظل عملاق يطرح هذه الأسئلة على الرجل في الحلم.
 في الصباح أفاق الرجل مبتسما. رأى بعدها إبتسامته في المرآة. يبدو انها ظلت عالقة بعد الحلم. قال مرة في حوار غير مألوف مع أحد اعضاء جمعية الدفاع عن المنحوسين:
 ـ لم أرد أن تراني زوجتي وأبنتي وأنا أبتسم بغباء ، ومن دون سبب. كانت أبتسامة تافهة. كانت عريضة لكنها لم تكشف عن أسناني المهشمة. كانت شفتاي مضمومتين مثل شفتي المهرج. دعكت وجهي بالماء والصابون، لكن الأبتسامة ظلت عالقة. غسلت أسناني ثلاث مرات ، لكنها ظلت ملتصقة مثل حبر ثابت. فكرت : قد تزول مع مطلع النهار وكما يذوب الثلج في صباح مشمس. لاأدري كيف خطرت ببالي مثل هذه الافكار. ثم فجأة شعرت بحر شديد رغم أن الفصل كان شتاء. أرتديت قميصا رياضيا خفيفا، كان مرسوما على ظهره غراب أسود يقف على كرة للعبة السلة رسمت عليها خارطة العالم. أرتديت سروال جينز نظيفا ثم معطفي الشتوي الأسود، وعقدت العزم على حل لغز تلك الابتسامة. الزوجة والبنت تحملتا الكثير. خوفي عليهما من الجنون ، فكوارثي متواصلة في هذا العالم . أنا لست منحوسا ، إذن كفوا عن لصق هذا النعت السخيف بي.
 كان الثلج يهبط متراقصا. كان رائعا وجميلا. لأول مرة كانت السماء بمثل هذا السخاء، حين تخلت لي عن كل هذه الجواهر.أحاسيس مثل هذه كنت قد عرفتها من قبل. تستفيق وتشم صباحا ثم تفكر : الحياة مازالت تلائمني. انها لحظات حزن مقنعة تتخفى في أثواب وروائح شتى. أنت تسكر ، فتبكي ، وتظن أنك أزحت حجرا كبيرا كان يسد مجاري يومك الذي كان قد انقضى بضربة موجعة. مر بقربي رجل لا أعرفه يرتدي معطفا شتويا ثقيلا ويلف رقبته

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي